سعيد عطية علي مطاوع

264

الاعجاز القصصي في القرآن

ومعني تراود : تحاول مرة بعد مرة انتزاع موافقته علي تنفيذ مرادها من الجماع ، ولا تجد لغة من اللغات تدل كلمة واحدة فيها علي هذا المعني المؤدي بجملة طويلة غير العربية ، وإيثار العربية بتلك الكلمة تنزيها للقرآن من الخوض في التفاصيل التي لا تتفق مع جلاله وإجماله . علي أن لهذه الكلمة " تراود " إيحاءات كثيرة تستمدها من الأصل الحسي لاستعمالها ، ففي لسان العرب : أصل الرائد الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلأ ومساقط الغيث ، ورادت الإبل ترود ريادا اختلفت في المرعى مقبلة ومدبرة ، وامرأة راد ورواد ، ورءود : طوافة في بيوت جاراتها . وقال الأصمعي : الرادة من النساء ، غير مهموز ، التي ترود وتطوف . وقال الليث : وتقول راود فلان جاريته عن نفسها ، وراودته هي عن نفسه ، إذا حاول كل واحد من صاحبه الوطء والجماع 33 . وبالعودة إلي الاستعمال القرآني " تراود " نجد أنه يوحي بمعان هي مستمدة من تلك الاستعمالات الأولي ، فهي توحي بالجرأة والمبادرة ، وتوحي بالتوتر والحيرة التي تدفع إلي الإقبال والإدبار ، وهنا تصوير لمدي التوتر والحيرة التي تستبدّ بالمرأة عند تسلط هذه الشهوة لا سيما إذا طلبتها من طريق غير مشروع ثم إن إضافة الفتى إليها " فتاها " وذلك في الكلام المحكي عن النسوة يوحي باتجاه تلك النسوة إلي تهويل الأمر إذ كيف تراود سيدة لها هذه المكانة فتاها أي مملوكها ، فضلا عن الاتجاه النفسي إلي إشباع رغبتهن في اللوم . . . ومعني " شغفها حبا " : شقّ حبه شغاف قلبها وهو حجابه . وهناك استعمالات متعددة للشغاف لعل أقربها صلة بما نحن فيه أنه داء متمكن في القلب وأنه ما يستتر فلا يظهر ولا يعالج ، فاستعمال هذا اللفظ " شغفها " خصوصا في هذا السياق انتقال من الإطلاق الحسّي إلي المعنوي ليشير إلي معاناة طويلة خفيّة ومكايدة مؤلمة موجعة . . وهو لفظ يوحي بجرسه علي الهيام والوجد الطويل ، كما يوحي بأنه حب لا يحكمه العقل ، ويؤيد هذا قراءة الفعل بالعين ، يقول أبو السعود : " وكان الشعبي يقول : الشغف حب والشغف جنون " 34 . وفي قولهن " إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ " التعبير ب " نراها " يوحي بأن ما ذهبن